الهيئة المغربية للإعجـاز العلمي في القرآن و السنة (Comijaz.org) v
livres
لماذا الإعجاز العلمي؟؟
المؤلف : الأستاذ محمد امساعدي البريد الإلكتروني : contact@comijaz.org
القراء : 769

الحمد لله المبدئ المعيد، الغني الحميد، يعلم ما ظهر وما بطن، وما خفي وما عَلَن، وهو أقرب الينا من حبل الوريد. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ذو العرش المجيد، والبطش الشديد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أشرف من أظلَّت السَّماء، وأقلَّت البِيدُ، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، وعلى آله وأصحابه أهل القول الرشيد والفعل السديد.

تعريف موجز :

نقصد بالإعجاز العلمي تلك الإشارات العلمية التي ورد ذكرها في كتاب الله، وثبت عدم إمكانية إدراكها بالوسائل البشرية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم جاء العلم الحديث ليزيح عنها الحجاب، لتكون زادا عقديا، وثقافيا ودعويا لكل مؤمن، وحجة قاطعة في وجه كل معاند ومكابر. وصدق الله العظيم إذ يقول)) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (87) وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)"ص"

تسأولات:

إن كلام الله معجز من أوجه عديدة ، ونواح متعددة: بيانا وتشريعا وغيبا بشهادة جموع المسلمين، بل وغيرهم من ذوي الألباب المنصفين.

فلماذا يكتسي الإعجاز العلمي - وعلى عصرنا- من الأهمية ما لا يُمنح لغيره من جوانب إعجاز القرآن الكريم؟ وبما يختلف عنها؟

هل إضافته لغويا إلى العلم تسبغ عليه من المصداقية والدقة على قدر ما يحظى به العلم من مرتبة متميزة في عصرنا؟

أم أنه صيغة من صيغ الهروب إلى الوراء نبرر به ما نشعر به من تخلف، وانهزام وانحسار، ونحن نلاحق ركب الحضارة ؟ أم هو كما يحلو للبعض أن يسميه" العجز العلمي"؟

أم أنه لا يفتأ أن يكون أداة تطلع نحاول بها الإفلات من الاستنقاع الحضاري الذي تعاني منه الأمة؟

العلم مفتاح الإعجازالعلمي:

فلا أحد يجادل أن المحور الرئيسي للحضارة في عصرنا هو المادة وبكل أبعادها، مما جعل العلوم "التجريبية" ولمغازلتها للعالم المادي، تأخذ قمة الهرم المعرفي الإنساني وبدون منازع. فعصرنا ألزم الفكر البشري أن يلبس العلم ثوب المرجعية فيما هو صحيح أو خطأ، شئنا ذلك أم أبيناه، مع يقيننا المسبق أن كل ما أنتجه الغرب من معارف في ظل تخاصم العلم والكنيسة، لا يخلو جله إن لم يكن كله، من النفحة الإلحادية. فكان لزاما على موضوع الإعجاز العلمي أن يتعامل مع هذه المرجعية التي أصبحت واقعا ملموسا في حياتنا.

في مقابل ذلك، فإن أنواع الإعجاز الأخرى لا تتقاطع ، وبما تزخر به من المناهج الاستدلالية، ولو على حيز ضيق، مع تلك المرجعية : فالبيان والتشريع والتاريخ مثلا، يفتقر كل منها إلى مرجعية يقع عليها الإجماع ويتم التحاكم إليها، فهي موضوع اختلاف منذ القدم، باختلاف المعتقدات والتصورات وكذا المدارك والمعارف. فإما أن يتخلق أهلها بالإنصاف واحترام العقل، فيدخلهم هذا في دائرة الإيمان، وإما أن تستبد بهم الأهواء وتحركهم النزعات الذاتية والمصلحية ، وتوجههم النعرات العصبية، فتحيد بهم عن الفطرة السليمة وتحجبهم عن قبول الحق وملامسة الواقع .

بعض المنزلقات:

نعم فالإعجاز العلمي يستمد قوته من هذه المرجعية " المطلقة " التي حظي بها العلم في عصرنا، غير أننا لسنا من النخبة المتمدنة المنبهرة بالعلم والتي تعاني من عقدة طغيانه"، لحد أنك لو قدمت لأحدهم نصا توقيفيا في مجال العبادة، لأوجد لك ( تكلفا ) مقصدا شرعيا ذا طابع "علمي" ليقحم القضية في سلسلة من الأسباب والمسببات المادية، ظنا منه أن هذا من إحسان الصنع((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) )) الكهف. والبعض الآخر منهم يخوض في صنف المعجزات الربابية التي لم تقصد التحدي، بل تجلي طلاقة قدرة الله في خلقه، والأمثلة عنها كثيرة في كتاب الله : موت وبعث عزيرعليه السلام ورقود أصحاب الكهف. فبدلا من أن ينصب الدارس على طبيعة نوامس الكون التي اخترقت، يذهب البحث جفاء وهو يسعى لتفسير كيف اخترقت ؟ وهذا بعيد كل البعد عن مقصد الإعجاز العلمي .

وإننا أيضا غير أولئك الذين يكرسون مرجعية العلم ويقرونها بدون مراجعة أو تمحيص، إن ملامستنا لمجموعة من الإشارات العلمية اليقينية لا تفضي بنا إلى القول بأن هذا يثبت ربانية القرآن الكريم، وصدق نبوة المصطفى عليه الصلاة والسلام، فهذا المنهج يضع وبغير قصد النصوص الشرعية من الكتاب والسنة في قفص الاتهام ويعطي للعلم قداسة الحكم عليها، بل وقد يدعو البعض ممن يستهويه هذا النهج، إلى إعادة قراءة النصوص الشرعية من الكتاب والسنة المطهرة على ضوء العلم، بلا قيد أو شرط، وهذا منزلق خطير نحذر منه، فكيف للمتغير أن يحاكم الثابت؟؟ .

ما نريد من الإعجاز:

إننا نعتقد أن "الكون" أو بالأحرى الجزء الضئيل من العالم المادي الذي نتفاعل معه، يمثل قرآنا منظورا مبثوث الصفحات((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191))) "آل عمران"، وأن القرآن الكريم يمثل كونا معرفيا فسيح الآفاق.

(( (37) وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) وأن فساحة هذا تتسع لأكثر من السنن الكونية التي تحكم الآخر، فلا مجال للانفعال والتفاعل مع" الكون" من حولنا في إطار العلاقة التسخيرية ((وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)" الجاثية"- التي شاء الله أن تكون من أوجه تكريم البشرية على هذه البسيطة- وعلى الوجه الأكمل، إلا بكشف أغوار كتاب الله، تدبرا وتفكرا، نقتفي آثار تلك الإشارات العلمية، التي تنير لنا الدرب، لإدراك تلك السنن الكونية (ونعني القوانين والاستدلالات) التي تحكم العالم المادي وتربط بين كل جزئياته، وبذلك نكون حققنا مفهوم السير في الأرض ((قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)"العنكبوت", والنظر والتفكر في خلق السموات والأرض، وبأدق معانيهما، دعوة ربانية، إن نحن أخذنا بها أعدنا للشخصية المسلمة ما افتقدته من فعاليتها ومنهجيتها وصوابها، في إطار البناء الحضاري للأمة، أو قل ما تستلزمه الشهادة على الناس، والتأهل لقيادتهم والقدرة على اختيار وتمثل الموقع الوسط ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ))"البقرة" ،تحقيقا للوعي بالذات ، واعتزازا بالانتماء الثقافي، واستشعارا لنعمة الإسلام، وهذه بغيتنا من الإعجاز العلمي،نسأل الله أن يلهمنا الإخلاص في السر والعلن، وفقنا الله لما يحب ويرضاه.



تحميل البحث | عودة

المتصفحون حالياً 2 زائراً | تم استعراض القسم العربي 153308 مرة منذ 20 - 8 - 2007
حقوق الطبع محفوظة الهيئة المغربية للإعجـاز العلمي في القرآن و السنة ©
تصميم و تطوير خالد العريش