![]() |
||
|
البيئة من المنظور الإسلامي (3) الحلقة الثالثة
|
||
| المؤلف : الدكتور الحسين زايد | البريد الإلكتروني : ijazaid@yahoo.fr | |
إن الحديث عن علاقة الإنسان بالبيئة يجرنا حتما إلى ضرورة تحديد منزلة الإنسان في الإسلام، تلك المنزلة التي خصه الله بها من دون المخلوقات الأخرى فجعله يتحكم في الطبيعة ويخضعها إلى سيطرته متربعا بذلك قمة الهرم.
منزلة الإنسان في الإسلام
يتم تحديد هذه المنزلة من خلال الحدث الهام الذي تعرض له الإنسان حيث قبل الأمانة وتحمل المسؤولية العظمى التي عرضت عليه والتي تكمن في الاستخلاف وعمارة الأرض. وحتى يكون هذا الخليفة أهلا بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، زوده الله عز وجل بمنحة العقل ووهبه طاقات وقدرات تمكنه من التمييز بين الشر والخير ، بين الخبيث والطيب، بين الطالح والصالح...
1- الأمانة
يقول الحق عز وجل : إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا [الأحزاب- 72]. والأمانة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما قد تعني الفرائض عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدينها أثابهن الله وإن ضيعنها عذبهن، فكرهن ذلك ولم يطقنه.
فها هو الكون كله يسلم لله ويرفض أن تكون له الخيرة في أن يؤمن أو لا يؤمن، يمضي لشأنه بإذن ربه ويعرف بارئه ويخضع لمشيئته بلا جهد منه ولا كد، يسلم عن طواعية ويختار طريق الإيمان دون أن تكون له إرادة في المعصية. ثم استوى إلى السماء وهي دخان، فقال لها وللأرض إيتيا طوعا أو كرها، قالتا أتينا طائعين [فصلت- 10].
فالشمس تطلع من المشرق حتى يؤذن لها عكس ذلك، ولا اختيار لها في ذلك. لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار [يس-39] والنحلة تنشط في جمع الرحيق من زهرة لأخرى دون أن تظهر أدنى اعتراض أو أدنى عناء، والنبات الأخضر يقوم بالتخليق الضوئي منتجا المادة العضوية والأكسيجين الحيويين بدون تمرد. وهكذا، والكل في تسبيح مستمر.
يسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا [الإسراء-44].
أما الإنسان، ذلك المخلوق القزم بكل المقاييس الكونية، الضعيف الحول المحدود العمر، الذي قبل أن يحمل الأمانة وما يترتب عنها من تداعيات إيجابية أو سلبية فنعت من أجل ذلك بالظلوم الجهول (مبالغة في الظلم والجهل) لعدم تقديره لعظم المسؤولية التي تنتظره وخطورتها وهولها، فباستطاعته التمرد على خالقه وإتيان النواهي واجتناب الأوامر ويكون بذلك قد زاغ عن الغاية التي خلق من أجلها وهي تحقيق عبودية الله وحده مصداقا لقوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون[الذاريات - 56].
فهناك إذن حرية في الإيمان، والحرية تقتضي أن يكون المرء مسؤولا. مسؤول أمام خالقه، ومسؤول عن الأمانة التي استودعه الله إياها وهي الخلافة في الأرض وإدارة مواردها على الوجه الأحسن، ومسؤول كذلك تجاه المخلوقات التي سخرها الله إياه، فلا يقتل بغير الحق ولا يبذر ولا يستعلي على خلق الله ولا يسعى في الأرض الفساد. والقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة حافلان بالعديد من النصوص التي توضح بجلاء هذه العلاقة. فهاهو نبي الله سليمان عليه السلام رغم عظم شأنه من حيث الملك الذي وهبه الله إياه والذي لا ينبغي لأحد من بعده، تستوقفه نملة على صغر حجمها، فتهتز مشاعره ويتذكر فضل الله عليه ونعمة المعرفة التي خصه الله بها فينيب إلى الله ويتوسل إليه قائلا : رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين. [النمل-19]. وهاهو رسول الله محمد يخبرنا بأن امرأة عذبت في قطة حبستها حتى ماتت، وينكر عن بعض أصحابه كونهم أخذوا فرخين لحمرة طائر- لما رآها تعرش أو تفرش أي ترخي جناحيها وتدنو من الأرض- قائلا "من فجع هذه بولدها ردوا ولدها إليها".
وعندما نستحضر عظم مسؤولية التكليف وهولها، نفهم جيدا لماذا أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها مخافة تضييعها ولم يطقنها فلم تردن ثوابا ولا عقابا بل فضلت أن تأتي الله طوعا.