الهيئة المغربية للإعجـاز العلمي في القرآن و السنة (Comijaz.org) v
livres
البيئة من المنظور الإسلامي (2) الحلقة الثانية
المؤلف : الدكتور الحسين زايد البريد الإلكتروني : ijazaid@yahoo.fr
القراء : 845

يشهد العصر الحالي تحديات جوهرية للبشرية وتحولات عميقة ومشاكل بيئية جد معقدة تهدد حياة الجيل الحالي والأجيال المقبلة. ويعزى السبب إلى قيم ومفاهيم ومثل وأعراف وسلوك وأخلاقيات تؤدي إلى استغلال سيئ للموارد الطبيعية واستنزاف غير مسبوق للبيئة بذريعة التقدم الاقتصادي والإثراء المادي. وهذا التصرف أقل ما يقال عنه أنه أناني محض يقدم المصلحة الخاصة على العامة خلاف ما جاءت به الشريعة السمحة. وقبل الخوض في مظاهر وأسباب وعلاج هذه الظاهرة، لنلق نظرة مفصلة على مفهوم البيئة.

 

تعريف البيئة

كثر الحديث عن البيئة وقضاياها حتى أضحت تتصدر اهتمامات الجمهور العريض والطبقة السياسية على حد سواء. وفيما يلي، سنعطي توضيحا للمفهومين الغربي والإسلامي للبيئة.

 

1. المفهوم الغربي للبيئة

إذا كانت "الإيكولوجيا"  Ecologieتعنى بدراسة الأوساط الطبيعية أو تلك التي لم تطرأ عليها تغييرات ملموسة، فإن علوم البيئة Sciences de l'environnement تهتم بدراسة البيئة ككل. ومع نهاية القرن التاسع عشر، تم استبدال كلمة "الوسط" Milieu بمصطلح "البيئة"، وهي كلمة ذات أصل إنجليزي. فماذا تعني هذه الكلمة؟

للبيئة تعاريف عديدة يمكن اعتمادها. فهي تارة "النظام أو النسق الطبيعي والبيولوجي الخارجي للكرة الأرضية والذي يتعايش داخله الإنسان وبقية الكائنات الحية الأخرى". وتارة أخرى "مجموعة الأشياء التي تحيط بنا من ماء وهواء وتربة ومناخ وكائنات تؤثر على وجود الكائنات الحية على سطح الأرض"، كما يمكن وصفها بأنها "مجموعة من الأنظمة المتشابكة مع بعضها البعض لدرجة التعقيد والتي تؤثر في بقائنا"، أو كنظام ديناميكي يتكون من مكونات طبيعية وعناصر اجتماعية - ثقافية دائمة التفاعل في إطار زماني ومكاني وثقافي معين". كما أن البيئة نظام شامل يتكون من أنظمة فرعية يطلق عليها اسم المنظومات البيئية.

إلا أن دراسة البيئة ليست حقلا معرفيا خاصا بل هي مجال متعدد الدراسة والبحث والتفكير تلتقي فيه مجموعة من العلوم البحتة من علوم الأحياء والتربة والكيمياء والفيزياء بمجموعة من العلوم الإنسانية من علوم اجتماعية واقتصادية وقانونية وغيرها.

 

2. المفهوم الإسلامي للبيئة

عندما خلق الله الإنسان، أوجد له المجال الحيوي الذي سيتكاثر فيه، فالأرض بيئة والكون بيئة.

 قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين  [ سورة فصلت - الآيتان 9-10 ]

 

والبلد بيئة، والمنزل بيئة، والغابة بيئة والبركة المائية بيئة إلخ.

وكل شيء خلقه الله لمصلحة ومنفعة المخلوقات، خلقه بقدر محدد وبميزان:

 إنا كل شيء خلقناه بقدر  [ سورة القمر- الآية 49 ]

 وكل شيء عنده بمقدار  [ سورة الرعد- الآية 8 ]

 والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون  [ سورة الحجر- الآية 19 ]

 

لقد خلق الله عناصر البيئة وجعلها تسير في نظام دقيق يسمح للإنسان بتحقيق رسالته على الأرض على أحسن وجه طبقا للخلافة التي كرمه الله بها والمسؤولية التي تترتب عليها، مسؤولية إدارة ثرواتها وتدبير مواردها واحترام وجود الكائنات التي تحيا عليها والتي سخرها الله لخدمة هذا الإنسان. وأنزل الله القرآن نورا يهدي به الناس إلى الصراط المستقيم ومنهجا لحركتهم في الحياة وأداء وظيفتهم ومهمتهم في الاستخلاف ودستورا ينظم معاشهم ومعادهم.

وجاءت الشريعة السمحة لتحرم الفساد، وتضع من بين مقاصدها الحفاظ على النفس، مما يستلزم الحفاظ على الحياة وتحري العافية والبحث عن التغذية والوقاية والعلاج، والسعي وراء سلامة ما فينا وسلامة ما حولنا، وهو ما اصطلح عليه باسم البيئة.

فالبيئة إذن في المفهوم الإسلامي هيٍ الوسط أو المجال الحيوي الذي أوجده الله وسخره للإنسان لكونه خليفته في أرضه، وأعطاه مقاليد التحكم فيه ومسؤولية الحفاظ عليه، وبهذا يكون المفهوم الإسلامي للبيئة أكثر عمقا.

(يتبع)

تحميل البحث | عودة

المتصفحون حالياً 5 زائراً | تم استعراض القسم العربي 153293 مرة منذ 20 - 8 - 2007
حقوق الطبع محفوظة الهيئة المغربية للإعجـاز العلمي في القرآن و السنة ©
تصميم و تطوير خالد العريش