![]() |
||
|
الكلمة الطيبة
|
||
| المؤلف : الباحث أحمد بوزيدي | البريد الإلكتروني : sevolta@menara.ma | |
تُعدّ الكلمة الطيبة أحسن القول، وهي تتمثل في الدّعوة إلى الله سبحانه ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ ]فصلت - 33 [
فإذا كانت الدّعوة أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر، فللأمر والنهي طرق ووسائل ومراحل ومستويات، فلقد ورد في شأن تغيير المنكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : { من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان} رواه مسلم.
تعرض لنا الآية الكريمة ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَ فَرْعُهَا فِي السَّمَاء ﴾ ]إبراهيم - 24 [ صورة في متناول الجميع لقراءة الكون فالمثل ينقلنا من الكلمة اللامادية إلى الشجرة الملموسة والتدبّر في كيفية عيشها ومزاياها العديدة من إنتاجها التمر المادّي مرورا بالرائحة الطيبة والظل النافع إلى دورها في تصفية الهواء من ثاني أكسيد الكربون وإغنائه بالأكسيجين. فإذا رشقناها بالحجارة تساقط ثمرها وإذا يبُست استعملنا خشبها للانتفاع بالطاقة الحرارية، لقوله تعالى : ﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ ﴾ ]يس - 80[ وهذا يدل على أن قراءة القرآن الكريم وتدبره وقراءة الكون وتأمله شيئان متكاملان يؤديان بصاحبهما إلى التقرب من الخالق عز وجل.
كلنا محتاجون للكلمة الطيبة داخليا مع أنفسنا (التحفيز الذاتي) أو خارجيا في معاملاتنا اليومية مع أُسرنا وفي وظيفتنا مع زملائنا، فكما نحب الكلمة الطيبة، علينا أن نبذل كل الجهد للتعامل بالكلام الطيب لقوله تعالى ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا ﴾ ]الأعراف - 58 [. فالكلمة الطيبة تريح النفس وتسر العقل وترفع معنويات المتلقّي، إنها طريقة تسعد المخاطب والمخاطَب فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم : {الكلمة الطيبة صدقة } رواه البخاري. وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {مثل كلمة طيبة}، شهادة أن لا إله إلا الله وهذا ما دفعنا إلى الاستهلال بالحديث النبوي.
وكيف لا نتأدب مع خالق العباد بالتوحيد والشكر قبل الطلب، الشكر على نعمه العظيمة فإذا شكرناه واعترفنا بنعمه ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا ﴾ ]النحل - 18 [ واتبعنا قوله الحق وسنة نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، زادنا نعما وجزاء ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ ]إبراهيم - 7 [. فلنجعل من كلمة لا اله إلا الله والحمد لله والشكر لله أكثر ما يلهج به لساننا يوميا قبل كل كلام أو عمل، خصوصا أن للكلمة الطيبة أجرا عند الله، تريحنا تفيد الآخر وتمكننا من الحصول على صفقة تجارية مادية دنيوية.
الكلمة إما طيبة وإما خبيثة
والكلمة إما أن تُحسب لك أو عليك. فإن كانت خبيثة فهي لا تؤذي وتجرح سامعها فحسب، بل تؤذي المتلفظ بها أكثر. فكما قال حسن البصري:"لا تنظر إلى حجم الخطيئة ولكن إلى من تعصي".
وقد وصف الله تعالى في كتابه الكريم الكلمة الخبيثة بقوله : ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ ]إبراهيم - 26 [ ، ليست لها ثوابت إنما تؤدي إلى الطغيان والكفر والبغضاء والكراهية و جرح القلوب ﴿ قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر﴾ ]آل عمران - 118 [.
أما الكلمة الطيبة فهي نوعان: مصطنعة أو خالصة
· الكلمة الطيبة المصطنعة أو المتكلفة، تحتوي على المداهنة أو نوع من النفاق، وهذا النوع له أهدافه ومقاصده الخاصة التي لا تنبع من عمق القلب، بل هي سطحية ليس لها أصل ولا ثبات، يراد بها إرضاء الآخر ومجاملته أو قضاء غرض شخصي سواء كان ماديا أو معنويا. فمن الواجب علينا أن نراجع معاملتنا اليومية في التسيير والتدبير الفلكلوري والمسرحي. فالجدير بالإنسان مراجعة نفسه والإخلاص في أعماله. فإن كان سعيه وراء مال أو حافز دنيوي، فله ذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : {إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى} رواه البخاري ومسلم. لكن بارت التجارة مع خالق الأكوان سبحانه. لأنه من شروط تقبّل العمل، إخلاصه لوجه الله لا لأحد سواه.
· الكلمة الطيبة الخالصة لها أصل ومراحل، فهي منتوج له مرجع، هدفها معين، وهي لوجه الله تعالى وصيغتها لينة لا تجرح القلوب بل تشفي الصدور ﴿ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى ﴾ ]البقرة - 263 [ ﴿ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا﴾ ]الإسراء - 53 [
مراحل الكلمة الطيبة
كل مخلوق له أصل ووظيفة وهدف ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ ]المؤمنون - 115 [، كذلك الكلمة الطيبة لها مصدر ﴿ إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا ﴾ ]الأنفال - 70 [، ولها نية ثم صيغة وتركيب ومضمون. يقول الحق سبحانه وتعالى في سورة طه ﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)﴾ ]طه[.
فشرح الصدر وهنا الصدر معناه القلب، لا يمكن أن يحصل إلا بالهداية، و الهداية طلب وعمل ﴿ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ ]الزمر - 41 [، كما أنها نعمة عظيمة ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾ ] طه - 123 [. ففي علم النفس الحديث يشير الدكتور Shriber في كتابه الشفاء في مجال « الدماغ الصغير للقلب» إلى أن لو كان هناك دواء يمكن من تنسيق العلاقة الوطيدة بين القلب والدماغ لكان له تأثير إيجابي على الجسم كافة : كتأخير الشيخوخة والحد من الإجهاد والعياء والنقص من حدة القلق وخاصة تخفيض نسبة الانهيار العصبي وهذا ما يحصل بذكر الله لقوله عز و جل ﴿ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ ]الرعد - 28 [.
نستنتج من خلال هذا البحث ثلاث مراحل مضبوطة : شعور وتركيب وتعبير. فمن القلب المعنوي ومداخله وخلفياته، إلى العقل حيث التحليل الحكيم والملهم، إلى الكلام واللسان الفصيح والصوت المؤثر. فسبحان الله إذا كانت الكلمة أو الابتسامة غير منبثقة من القلب لن يكون لها تأثير وتظهر في الوجه والأعين. من الأهم هو الأصل والمنبع وهو حسن النية أو الإخلاص، والنية لا يعلمها إلا الله تعالى. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: {إن في الجنة غرفا يُرى باطنها من ظهرها قيل لمن هي يا رسول الله قال لطيب الكلام }.
﴿ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء﴾
شُبّهت الكلمة بالشجرة من حيث طبيعتهما وما فيهما من حياة ونماء. فالكلمة تنمو وتمتد وتثمر كما تنمو الشجرة وتمتد وتثمر سواء بسواء. والفرع يتحرك في السماء حسب الرياح، تحرُّك له حدود ومرتبط بجذوره عبر الجذع، تحرّك مضبوط ومتّصل بالجذور، وإنتاج متواصل ﴿ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ﴾ ]إبراهيم - 25 [. كذلك الكلمة الطيبة مصاغة حسب ضوابط، أصلها ثابت لها مراجع وسند، تأخذ بعين الاعتبار الوضع، والظرف والأحوال ومرتبطة بأصلها وجذورها تخاطب الضمير. فارتباط القلب بخالقه يجعل الإنسان يفكر في كيفية مرضاة الله والأمر بالمعروف. والآيات عدة تذكرنا بالكلام الطيب ﴿ ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَم ُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِه ِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ ]النحل - 125 [ ، كما يجب تجاوز العداوة والبغضاء بحسن المعاملات ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ]فصلت - 34 [.
ويتحقق استكمال النية بالعمل الصائب كما في قوله تعالى ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)﴾ ]الشمس[
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ ﴾ ]]الانشقاق - 6 [، علينا أن نجتهد في العمل الصالح للقاء خالقنا ورازقنا سبحانه وتعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾ ]]الحشر - 18 [
فلا بد للإنسان من خريطة الطريق في هذه الحياة، كتاب الله عز وجل وسنة نبيه الكريم، بوصلة وهي القلب المرتبط بخالقه، وخطة محكمة وجهاد كبير لإنجاز وصياغة كلمة طيبة لها أصل ومرجع وسند، وتنتج ثمارا.
ويتحرك هذا الإنسان ويشتغل في الدنيا بمكوناته الذاتية في محيط كوني حسب اختياره وتوجّه بوصلته نحو اتجاهين :
1) الاتجاه الأول احتياجي محض لا محدود لأنه يتعلق بالحاجات ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ ]التغابن - 15 [، بما في ذلك من سلطة ومال وشهوات متعددة وهذا ما يخلق تعطشا داخليا واحتياجا سيكولوجيا بما يليه من ارتباك وخوف من المجهول وعدم الاستقرار النفسي وما يليه من أمراض نفسية تسمى أمراض العصر.
2) الاتجاه الثاني : احتياجات مضبوطة ناتجة عن قاسم مشترك داخلي يعطي دينامية داخلية وحركة متكاملة. وهذه النظرة نجدها في جميع أعمال وأفعال الإنسان ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)﴾ ]الجمعة[، كمثل سيارة لها محرك واتجاه معين وعندها مسرع وفرامل، والكل يشتغل بنظام مضبوط في الوقت المناسب.